ابن قيم الجوزية

478

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

على اللّه بأمر من الأمور . وترك التخير عليه . فتذهب مادة التحكم وتفنى . وتنحسم مادة الاختيار وتتلاشى . وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى . هذا تقدير كلامه . وبعد فهاهنا أمران : أحدهما : أن هذا حال يعرض ، لا مقام يطلب ، ويشمّر إليه . فإن هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزه . ولا يمكن أن يدوم له ذلك . بل يقصر زمنه ويطول . ثم يرجع إلى تمييزه وعقله . وصاحب هذه الحال مغلوب : إما سكران . بحاله ، وإما فان عن وجوده ، والكمال وراء ذلك ، وهو أن يكون فانيا عن إرادته بإرادة ربه منه ، فيكون باقيا بوجود آخر غير وجوده الطبيعي ، وهو وجود مطهر كائن باللّه ، وللّه ، ومع اللّه ، وصاحب هذا في مقام « فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش » قد فني عن وجوده الطبيعي والنفسي . وبقي بهذا الوجود العلوي القدسي . فيعود عليه تمييزه ، وفرقانه ، ورضاه عن ربه تعالى ، ومقامات إيمانه . وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران . فإن قلت : فهل يمكن وصوله إلى هذا المقام من غير درب الفناء ، وعبوره إليه على غير جسره ؟ قلت : اختلف في ذلك . فطائفة ظنت أنه لا يصل إلى البقاء ، وإلى هذا الوجود المطهّر إلا بعد عبوره على جسر الفناء . فعدوه لازما من لوازم السير إلى اللّه . وقالت طائفة : بل يمكن الوصول إلى البقاء على غير درب الفناء ، والفناء عندهم عارض من عوارض الطريق ، لا لازم . وسببه : قوة الوارد وضعف المحل واستجلابه بتعاطي أسبابه . والتحقيق : أنه لا يصل إلى هذا المقام إلا بعد عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيده . فما دام لم يحصل له هذا الفناء فلا سبيل له إلى ذلك البقاء . وأما فناؤه عن وجوده : فليس شرطا لذلك البقاء . ولا هو من لوازمه . وصاحب هذا المقام : هو في رضاه عن ربه بربه لا بنفسه . كما هو في توكله ، وتفويضه ، وتسليمه ، وإخلاصه ، ومحبته ، وغير ذلك من أحواله بربه ، لا بنفسه . فيرى ذلك كله من عين المنّة والفضل ، مستعملا فيه . قد أقيم فيه . لا أنه قد قام هو به . فهو واقف بين مشهد : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التّكوير : 28 ] ومشهد وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) [ التّكوير : 29 ] واللّه المستعان . منزلة الشكر « ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الشكر » . وهي من أعلى المنازل . وهي فوق منزلة « الرضى » وزيادة . فالرضى مندرج في الشكر . إذ يستحيل وجود الشكر بدونه . وهو نصف الإيمان - كما تقدم - والإيمان نصفان : نصف شكر ، ونصف صبر . وقد أمر اللّه به ، ونهى عن ضده ، وأثنى على أهله ، ووصف به خواص خلقه ، وجعله غاية خلقه وأمره ، ووعد أهله بأحسن جزائه . وجعله سببا للمزيد من فضله ، وحارسا وحافظا لنعمته ،